الشيخ حسن المصطفوي
224
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والظاهر أنّ الإصراخ في ذا المورد بمعنى طلب النيل إلى الغواث بالصيحة كما في المادّة المجرّدة ، إلَّا أنّ الإفعال يدلّ على جهة النسبة إلى الفاعل والقيام به . فيكون معنى استصرخته فأصرخني : طلبت منه الصراخ لي فصرخ هو لي . ومعنى الآية الكريمة - لست أنا بأن أصرخ لكم في هذا اليوم الشديد كما أنّكم لا يمكنكم بأن تصرخوا لي في رفع شدائد الساعة ، فمعنى المادّة والهيئة محفوظة . وهذا المعنى أوفق وأنسب من جهات ، كما قلنا في - فلا صريخ لهم ، فانّ شدائد الساعة لا ترتفع بمغيث واحد ، مضافا إلى أنّ الصرخة إن كانت ممكنة : فكلّ أحد إنّما يصرخ لنفسه - . * ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه ِ وَأُمِّه ِ وَأَبِيه ِ ) * - فكيف يفرغ أن يتوجّه إلى شخص آخر . فانّهم يومئذ لا يمكن منهم الصراخ ، فكيف أن يعينوا ويغيثوا . فظهر لطف التعبير بالمادّة في هذه الموارد دون نظائرها . صرّ مقا ( 1 ) - أصول ، الأوّل - صرّ الدراهم يصرّها صرّا ، وتلك الخرقة صرّة ، والَّذي تعرفه العرب الصرار ، وهي خرقة تشدّ على أطباء الناقة لئلَّا يرضعها فصيلها . ومن الباب : الإصرار - العزم على الشيء ، وإنّما جعلناه من قياسه لأنّ العزم على الشيء والإجماع عليه واحد ، وكذلك الإصرار الثبات على الشيء . ومن الباب : هذه يمين صرّي أي جدّ . ومن الباب الصرّة يقال للجماعة . ومن الباب حافر مصرور أي منقبض . وأمّا الثاني - وهو من السموّ والارتفاع ، فقولهم - صرّ الحمار اذنه إذا أقامها ، والأصل في هذا : الصرار وهي أماكن مرتفعة لا يكاد الماء يعلوها . وأمّا الثالث - فالبرد والحرّ وهو الصرّ ، يقال أصاب النبت صرّ . والصرّ : صرّ الريح الباردة ، وربّما جعلوا في هذا الموضع الحرّ . قال قوم : الصارّة شدّة الحرّ حرّ الشمس . والصارّة : العطش ، وجمعها صوارّ . وأمّا الرابع - فالصوت . من ذلك الصرّة شدّة الصياح ، والصرارى : الملَّاح ، ويمكن أن يكون لرفعه صوته . وممّا شذّ عن هذه الأصول كلمتان ولعلّ لهما قياسا قد خفي علينا مكانه : فالأولى : الصارّة وهي الحاجة ، والأخرى الصرورة وهو
--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه .